أبي هلال العسكري

243

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الطريقة المسلوكة في التشبيه وأما الطريقة المسلوكة في التشبيه ، والنّهج القاصد في التمثيل عند القدماء والمحدثين فتشبيه الجواد بالبحر والمطر ، والشجاع بالأسد ، والحسن بالشمس والقمر ، والسهم الماضي بالسيف ، والعالي الرّتبة بالنّجم ، والحليم الرزين بالجبل ، والحيى بالبكر ، والفائت بالحلم ؛ ثم تشبيه اللئيم بالكلب ، والجبان بالصّفرد « 1 » ، والطائش بالفراش ، والذّليل بالنّقد « 2 » والنّعل والفقع « 3 » والوتد ؛ والقاسى بالحديد والصّخر ، والبليد بالجماد ؛ وشهر قوم بخصال محمودة ؛ فصاروا فيها أعلاما فجروا مجرى ما قدّمناه ؛ كالسموأل في الوفاء ، وحاتم في السخاء ، والأحنف في الحلم ، وسبحان في البلاغة ، وقسّ في الخطابة ، ولقمان في الحكمة . وشهر آخرون بأضداد هذه الخصال ؛ فشبّه بهم في حال الذم كباقل في العىّ « 4 » ، وهبنقّة في الحمق ، والكسعىّ في النّدامة ، والمنزوف ضرطا في الجبن ، ومادر في البخل . والتشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا ؛ ولهذا ما أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه ، ولم يستغن أحد منهم عنه . وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية من كلّ جيل ما يستدلّ به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكلّ لسان . فمن ذلك ما قال صاحب كليلة ودمنة : الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا . وقال : صحبة الأشرار تورث الشرّ كالريح إذا مرّت على المنتن حملت نتنا ، وإذا مرّت على الطيب حملت طيبا . وقال : من لا يشكر له كان كمن نثر بذره في السّباخ ، ومن أشار على معجب كان كمن سارّ الأصم . وقد نظمت هذا المعنى . فقلت : ألا إنّما النعمى تجازى بمثلها * إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ

--> ( 1 ) الصفرد : طائر جبان . ( 2 ) جنس من الغنم قبيح الشكل . ( 3 ) الفقع ، بفتح الفاء وتكسر : البيضاء الرخوة من الكمأة . قال في اللسان : يقال للذليل : هو أذل من فقع بقرقرة ، لأنه لا يمتنع على من اجتناه أو لأنه يوطأ بالأرجل . ( 4 ) بأقل : اسم رجل يضرب به المثل في العى .